أحمد أمين
78
كتاب الأخلاق
فتلك عملية التجار . أما الأخلاقي ، فيجب أن يكون أشرف من ذلك ، يصغي لصوت وجدانه ويسمع لما يوحي إليه من أوامر ونواه ، وهذا هو ما يشرفه ويجعله في أسمى مكان يليق به . وقد كان أفلاطون لقانيا ، بخلاف أرسطو ، فقد كان يقول بالسعادة وإن كانت السعادة عنده أرقى مما يقول به المنفعيون ، وقد قال « سنتهلير » في تفضيل مذهب أفلاطون على أرسطو ، وبعبارة أخرى في تفضيل مذهب اللقانة على مذهب السعادة : « إن من الخطأ الفاحش أن تكون غاية الحياة هي السعادة ، فإن في هذا سوء مشاهدة للأشياء وتضليلا للضمير معا . أقرر أن المشاهد هو أن الإنسان لا يبحث عن السعادة في كل أفعاله ، بل هناك أحوال عديدة يفتدي المرء فيها الواجب الذي هو أغلب من المنفعة بكل ما يسمى سعادة بمحض اختياره . . . إن السعادة ليست شيئا مذكورا حينما توازن بالواجب ، وأن من السقوط في الخلق أن يرجحها الإنسان عليه . . . وفي غالب الأوقات لا تتنافى بين الفضيلة وبين السعادة على المعنى الضيق الذي يفهمها به أرسطو ؛ فقد شاء الله أن الإنسان في مجرى الأمور العادي يستطيع أن يسعى للسعادة دون أن يفرط في الفضيلة ، ولكنه شاء مع ذلك أيضا في الظروف الصعبة حيث تتعارض السعادة والفضيلة أن تكون السعادة هي القربان للواجب الذي لا ينبغي مطلقا أن ينزل لها عن شيء ما ، تلك هي أول قاعدة للحكمة ، بل هي وحدها المطابقة للواقع والتي جديرة بفلسفة بينة ، ومن ضل هذه القاعدة - قاعدة الأخلاق - فقد أوشك ألا يفهم شيئا من الحياة الإنسانية . ولكيلا يضل الإنسان في هذا السبيل الخطر يلزمه مجهود عبقري » « 1 » . وممن ذهب هذا المذهب طائفة من الفلاسفة الأقدمين يسمون ( الرواقيين ) وهم أتباع زينون - فيلسوف يوناني ( 342 - 270 ق م ) ، وكان يعلم أصحابه في رواق مزخرف في أثينا ، ومن ثم سمى أصحابه بالرواقيين ) sciotS ( . وقد كان زينون معاصرا لأبيقور معارضا له في تعاليمه . فبينا يرى أبيقور أن الغاية من الحياة هي الوصول إلى أكبر لذة ممكنة للعمل ، وأنه يجب إحياء الشهوة وإرواؤها ، كان زينون يرى أنه يجب ضبط النفس وقمع الشهوات .
--> ( 1 ) انظر كتاب أرسطو ترجمة الأستاذ لطفي السيد صفحة 58 و 76 جزء 1 .